إسرائيل تحقق نجاحا… لكن هل ستتجاوز الحدود؟

ترجمة – نبض الشام
في مشهد إقليمي يتغير بسرعة، تبرز إسرائيل كلاعب لا يمكن تجاهله، قوة اقتصادية وتقنية وعسكرية تعيد رسم موازين الشرق الأوسط. من دولة نامية إلى قوة إقليمية كاسحة. وأوضح مقال نشرته “واشنطن بوست” وترجمه نبض الشام بأن إسرائيل قد حققت سلسلة من الانتصارات المتلاحقة ضد خصومها، وبدأت بتوجيه ضربات مباشرة إلى العمق الإيراني. لكن في ذروة هذا التقدّم، تلوح تساؤلات مصيرية: هل تظل إسرائيل متمسكة بهدفها الاستراتيجي (تحييد البرنامج النووي الإيراني) أم تنجرف إلى طموحات أكبر قد تعيد إشعال المنطقة؟ في لحظات النصر، تظهر أخطر اختبارات الحكمة.
الشرق الأوسط يشهد تحولاً جذرياً في موازين القوى: صعود إسرائيل. في تسعينيات القرن الماضي، كانت إسرائيل أشبه بدولة نامية عادية. اليوم، أصبح الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها يُضاهي دولاً أوروبية، بل هو الأعلى في المنطقة بعد قطر (التي تمتلك ثروات نفطية وغازية هائلة وعدد سكان قليل).
في عام 1990، كان الناتج المحلي للفرد في إسرائيل أعلى بقليل من نظيره في إيران؛ أما اليوم، فهو يقارب 15 ضعفاً. إسرائيل الآن تعمل في طليعة التكنولوجيا، ولهذا تسعى دول الخليج بقوة لبناء علاقات معها.
وفي العامين الماضيين، خاضت القوات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية مواجهات وانتصرت على حماس، وحزب الله، والحوثيين، وسوريا، وإيران. وقد تمكّنت أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات في إسرائيل من التصدي لمعظم الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة إليها، وبجمع هذه المعطيات، نصل إلى نتيجة واضحة: إسرائيل أصبحت القوة العظمى في المنطقة.
ورغم ذلك، كان المسؤولون الإسرائيليون مترددين في التعامل بقوة مع بعض التهديدات. كما يشير ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية، فإن الحكمة السائدة في الولايات المتحدة وإسرائيل على مدى العقدين الماضيين كانت أن الرادع هو أقصى ما يمكن تحقيقه أمام خصوم مثل حزب الله وإيران ،واللذين يمتلكان آلاف الصواريخ القادرة على ضرب إسرائيل.
كان الرد الإسرائيلي دائماً محسوباً بدقة لتجنّب التصعيد.
لكن هجمات 7 أكتوبر 2023 غيّرت العقلية الإسرائيلية، تماماً كما غيّرت هجمات 11 سبتمبر طريقة تفكير الولايات المتحدة، إذ أصبح القادة الإسرائيليون أكثر استعداداً للمخاطرة، والمواجهة الاستباقية، بل والوقائية أيضاً.
ورغم ذلك، لم تُطلق إسرائيل عمليتها “الناسف المتفجر” في سبتمبر الماضي إلا عندما كادت خططها تُفضح. ثم أعقبها الهجوم الكامل، الذي فاق كل التوقعات، ودمّر قيادة حزب الله وبنيته الصاروخية بشكل شبه كامل، وكانت هذه هي نقطة التحوّل. فحزب الله، الذي كان يُعد الخصم الأكثر رعباً على الحدود، اتضح أنه “نمر من ورق”.
وفي عام 2024، هاجمت إسرائيل ودمرت العديد من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية. ولم تواجه أي من هاتين العمليتين الرد الذي كانت تخشاه. بل أدّت هذه الضربات إلى انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، والذي كان يعتمد في بقائه على دعم إيران، وحزب الله، وروسيا.
وهكذا، قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2025 أن يُواجه التهديد الذي لاحقه لأكثر من 30 عاماً (وأن يفعل ذلك بشكل حاسم)، فأطلق هجوماً جوياً على إيران، وقد نجح حتى الآن في تدمير جزء كبير من قيادة إيران العسكرية وبنيتها التحتية، ورغم أن منشأتي نطنز وفوردو النوويتين (المدفونتين جزئياً تحت الأرض ) لم تُدمّرا، فإن معظم عناصر البرنامج النووي الإيراني الأخرى قد أُبيدت.
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان حريصاً على التوصل إلى اتفاق مع إيران، قد نصح نتنياهو بعدم تنفيذ الهجوم (بحسب اعتراف ترامب نفسه). وعندما تجاهلت إسرائيل النصيحة، أصدر وزير الخارجية ماركو روبيو بياناً أعلن فيه تبرّؤ الولايات المتحدة من العملية، لكن بعد أن شاهد ترامب نجاح إسرائيل، أصيب بـ “فومو” (الخوف من تفويت الحدث)، فغيّر موقفه وبدأ بدعم العملية، بل ألمح إلى أنه قد ينضم إليها ويستخدم القوة النارية الأمريكية الهائلة لتدمير منشأة فوردو.
ومع ذلك، لا يمكن إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالقنابل فقط، حتى لو كانت خارقة للتحصينات. فـ إيران بلد يضم 90 مليون نسمة، وبرنامجها النووي عمره يقارب 70 عاماً، بدأ في عهد الشاه. آلاف العلماء والفنيين عملوا عليه. كما أن التكنولوجيا النووية ليست تقنية متقدمة للغاية، فقد طُوّرت قبل أكثر من 80 عاماً، في زمن الراديو قصير الموجة وأنابيب التلفاز.
الطريقة الأفضل لإنهاء هذا البرنامج هي إقناع إيران بالموافقة على ذلك، والتحقق عبر عمليات تفتيش صارمة ودقيقة.
من أخطر نتائج الانتصار العسكري، أنه قد يُغري المنتصر بتوسيع طموحاته. بعد النجاح الأولي المذهل في الحرب الكورية، قرر الجنرال دوغلاس ماك آرثر محاولة توحيد الكوريتين، ما أدّى إلى رد صيني هائل عطّل القوات الأمريكية لسنوات.
وفي 2001، بعد سقوط كابول في غضون أسابيع، تحمّست إدارة بوش لنقل “الحرب على الإرهاب” إلى العراق. وفي عام 1982، دفعت النجاحات المبكرة في لبنان إسرائيل إلى محاولة “حل المشكلة نهائياً”، مما أدى إلى احتلال جنوبي لبنان لمدة 18 عاماً انتهت بالفشل.
الانتصارات الإسرائيلية حتى الآن كانت مذهلة، لكنها تدفع قادة البلاد لتوسيع أهدافهم ،وبعضهم يتحدث صراحةً عن تغيير النظام في إيران واغتيال المرشد الأعلى، كما أنها تدفع ترامب نفسه للبحث عن مجد مشترك.
لكن في لحظات كهذه، يتعيّن على القادة الحكماء أن يتجنّبوا الغرور والتجاوز، وأن يحددوا أهدافاً واضحة وقابلة للتحقيق، لتحويل الانتصارات العسكرية إلى نجاح سياسي طويل الأمد.




